الشعب حدد البوصلة
بقلم : أ. خالد الإبراهيم أبو ثابت
بسم الله الرحمن الرحيم
الشعب حدد البوصلة
ثمة أكثر من مبرر يدفعنا اليوم للتفكير في الشأن
العملي للثورة، سيما ذلك الغموض الذي يكتنف الممارسة السياسية
والواقع الثوري الراهن الذي تعيشه الساحة الثورية، ليس على المستوى الوطني أو
المحلي أو الفصائلي بل على مستوى السياسة العالمية التي تتأثر حتميا بهذه التغيرات
المتسارعة في هذه الفترة الخطيرة من قطف ثمار الصحوة العربية والإسلامية.
هنالك
العديد من الإشكاليات التي نشأت إثر الثورة السورية، وانعكست سواء بصورة مباشرة أو
غير مباشرة على واقع العلاقات الدولية ومتغيراتها وأساس الصراع فيما بينها
والمصالح الدولية التي تُراعى على حساب الثورة السورية.
وهذا
الواقع السياسي الجديد لم يعد بالإمكان صياغته بمفاهيم الفلسفة السياسية التقليدية
الشائعة، أو تحليله تحليلاً كلاسيكياً بمقولات هي أقرب إلى الهرطقة أو الثرثرة
الغير مفيدة والغير واقعية وغير منسوبة اصلاً إلى البنية الفكرية للوعي الثوري،
وقراءة الساحة السياسية والمتغيرات الدولية القراءة الواعية الصحيحة والتحليلية
التي تُبنى عليها، ورسم وهندسة المستقبل
في سورية الجديدة الحديثة وضمن الإطار الثوري والمواطنة والمدنية والعدالة
الاجتماعية .
إن
العلاقات الدولية الحالية قد تكشّف زيفها، وهذه المصالح الدولية التي بنيت على
حرية الشعوب وأقواتها وإنسانيتها، وفي ظل هذه القوى المهيمنة والسياسة القطبية
والمتناثرة في كل أنحاء العالم، كلها مجتمعة تريد أن تنمّي وتحيي وتفعّل مفاهيمها
القديمة التي دفنت وانمحت ردحاً من الزمن تظهر تارة وتختفي أخرى، لتعطيها موقعاً
وأهميةً جديدةً بحيث تستعيد قوتها التي يمكن أن تتفلت منها بفعل الثورات والحراك
الشعبي.
وهي
أيضا بصدد البحث عن لغة جديدة وعن استراتيجيات قد تكون قديمة تعطيها دلالات ومظاهر
أخرى حتى تستوعب الواقع السياسي الذي بات في حركية مستمرة.
وهنا
نستطيع القول أنه وفي هذه المرحلة يظهر ثنائي جديد يتحكم في الواقع السياسي
الراهن، هما المد والحراك الشعبي الثوري وموانع القوى السياسية المتحكمة في
العالم، وهذه الموانع هي التي يجب أن تكسرها الشعوب بفعل الثورات واسترداد حقوقها
ووضع الدولة على الطريق الصحيح .
فبقدر
ماتتحرك الشعوب تكون استجابة الساسة الديكتاتورية، - سواء في الدول التي تحدث فيها الثورات أو في الدول
التي تدعي الحكمة والقدرة التامة للسيطرة المادية والمعنوية - تكون سريعة لاستعادة زمام
المبادرة من الشعوب والسيطرة على الواقع السياسي لتفرض الواقع الذي تريد،ومن ثمة
فحتى هذه الدول المهيمنة عالمياً تكون الاستجابة فيها سريعة وتعقد الاجتماعات
واللقاءات ببعضها وتكثف نشاطاتها لاستعادة ماقد تفقده في أي لحظة وتحيك المؤامرات
لوأد أي ثورة تنشط عليها .
وهنا
تكتسب مسألة الثورة في الوقت الحاضر، وفي ظل الظروف الاستثنائية والصعبة التي
تعيشها سورية وشعبها تكتسب دلالة خاصة سواء على الصعيد النظري أو العملي من ناحية
السياسة العملية الخارجية، و باعتبارها تعد الشأن والأمر الإنساني الأكثر أهمية
وتميزا هي تمكّن الإنسان من صنع مستقبله المشرق ليكتب تاريخه وحضارته ونهضته،
وبذلك يتم الحفاظ على مكتسبات ثورته وبإضافة تغييرات على نمط حياته وعلى علاقاته
مع الآخرين، فلا يمكن تصور وجود كائنات بشرية دون أن تكون لها رؤية وأفق وغاية - تحليل - تصور - تحدد من خلالها مجتمعة
واقعها الحالي وأين هي الآن؟ وأين تحلم أن تكون؟ وترسم وتهندس المستقبل بالشكل
الأفضل والأمثل الذي يحقق الرضا التام لكل المجتمع وتعبر عن وجدان كل فرد في هذا
المجتمع.
والثورة
في جوهرها تحررية استباقية استشراقية متمردة على واقع مرير تريد تغييره نحو
الأفضل، إنها تحرير للإنسان من كل القيود التي تفرض عليه وتسلب حريته وكرامته
وتتسلط على حاضره ومستقبله .لا كما يزعم كثير من المستشرقين والمستغربين أنها فعلا انقلابيا، إنها على
العكس تماماً من ذلك إنها فعلاً تأسيسياً بامتياز يؤسس ويؤطر واقعا جديداً تصنعه، ولها
بعد اجتماعي يتجاوز سلبيات الواقع القديم الذي عاشه الإنسان الثائر، فتكون بذلك
تقويضاً ونسفاً لمعالم الواقع القديم بكل تفاصيله.
فالثورة
السورية لاتريد بشير عوضا عن بشار، ولاحزب بعثي يساري بدل حزب بعثي يميني.
لايهم
الثورة السورية تغيير الأشخاص بقدر ما يهمها بالفعل تغيير واقتلاع هذا النظام ومن
يدور في فلك منظومته أو يسبِّح بحمده.
ومنذ
أول صرخة ثائر تم توجيه بوصلة الثورة وتحديد مسارها وغايتها ورؤيتها بعبارة " الشعب يريد اسقاط
النظام" أي كل منظومة النظام
التي هي على شكل عصابة تحكم البلد وتسرق خيراته وتستعبده باسم الدولة، ولا يريد
هذا الشعب إسقاط الدولة والمؤسسات وإنما إسقاط اللوبيهات المتحكمة والمسيطرة
والعابثة بالدولة والمؤسسات والتي تخطف الدولة والمؤسسات وتسخرها لصالحها
ولمصلحتها وترهنها بيد المستعمر والعدو لا لمصلحة الوطن والدولة والشعب .
لايريد
هذا الشعب المظلوم المكلوم مزاودات دينية أونفاقا سياسياً يرقِّع للدول المهيمنة
واللاعبة بالقضية السورية وبمستقبلها بمفاوضات خجولة مجحفة بحق ثورتنا ولا تحقق ما
قامت وانتفضت لأجله، ويتم تنفيذ كل المصالح الدولية فيما بينها وتحقيق أطماعها
الاستعمارية على حسابه وحساب ثورته داخليا وخارجيا ، وتضع القاتل المجرم بموازاة
الثائر الشهيد المظلوم في بوتقة واحدة وبمحاصصة في حكم البلاد والذي يقوم به بما
يسمى " المرتدون عن
الثورة" داخلياً "والديكتاتوريون المحتلون" خارجياً، وباتت لعبتهم
مكشوفة وظاهرة للشعب وهو غير راضٍ عنها ، وهم يتساقطون واحدا تلو الآخر تحت غربال
الثورة وتحت غربال الحرية والعدالة والديمقراطية .
فالثورة
تحتاج في هذه الأيام لثوارٍ حقيقيين ليكونوا أمناء عليها يدافعون عنها ولايتنازلون
عن ثوابتها ومكتسباتها ويحققون مكاسب سياسية في معركة السياسة وهي الأهم حاليا ضمن
وسائل الثورة السورية.

تعليقات
إرسال تعليق