الثورة.. ومنتصف الطريق
بقلم : أ. خالد الإبراهيم أبو ثابت
" الثورة إما أن تحقق ما قامت من أجله فى التغيير الشامل والكامل والتوق إلى الحرية ، لذلك يقول كوندرسيه :" لايوجد حركة في التاريخ تستحق لقب ثورة إن لم تتضمن عنصر الحرية " وإما أن تتحول إلى مجرد انقلاب على أشخاص وتبقى نصف ثورة، وأنصاف الثورات دائماً هى مقابر للثوار وأكفان للشعوب" .
لعل في الثورة السورية أفضل نموذج في التغيير الجذري لهذا النظام الديكتاتوري المجوسي الصهيوني المجرم، والحشود التى امتلأت بها ميادين وساحات سورية أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أنها عازمة على تحقيق أهدافها المشروعة، وأن المطالب التي تنادي بها في التغيير الجذري للمنظومة والتطهير والقصاص والمحاكمات العلنية وتحقيق العدالة الاجتماعية، لا بد لها أن تتحقق، لأنها مطالب شعب ثار في وجه نظام ظالم وفاسد، وأزال رموزه وأسقطها عالمياً .
الثورة الصادقة الناجحة هي تلك التي لا مجال فيها للتراجع ، فمتى ما انطلقت لزم أن تتواصل وتستمر، مهما كانت التضحيات، و كما يقال الحرية تؤخذ ولا تعطى .
و في رأيي أن الشعوب العربية صبرت أكثر مما يجب على طواغيتها ، وقد آن الأوان للتغيير، وأعتقد أن النموذج التونسي وغيره كان قدوة لهذه الثورات، و أزال ستار الخوف عن الشعوب.
إن الثورة هي الملاذ الحقيقي للتقدم،وتغيير الواقع أو الثورة على الواقع السيء المفروض أو المعاش، وإنها المنقذ الأساسي بعد الله سبحانه وتعالى من غدر النظام وميليشياته ومن التغيير الديموغرافي الذي يسعى إليه الصهاينة والمجوس ، وتقسيم المنطقة، وإضعاف المسلمين السنة وتدميرهم ،وإنها هي التي تعمل على إبقاء أهل السنة وحفظ كيانهم ،وتقويتهم ضد أعدائهم، وإنها السبيل الوحيد لإزاحة كل من سولت له نفسه أن يستغل بساطة هؤلاء البؤساء عبر العصور،
لعل الظلم هو أحد أهم أسباب الثورة بل أقواها، ويليه الفساد المتشعب بجناحيه الأخلاقي والمالي وضابطهما الفساد في المنظومة الدينية التي أفسدتها هذه الأنظمة الوظيفية المهترئة والمرتهنة لأعداء الشعوب، يليهما سوء توزيع الثروات بين الناس والتغاضي عن سد احتياجاتهم وعدم كفايتهم.
و لعل من أصدق الشعارات التي يرفعها الشعب السوري شعار" الموت و لا المذلة "، شعارٌ معبٌر حقا،ويتضمن عنصر الحرية المنشودة، فالشعوب العربية عاشت في كنف رؤسائها خانعة ذليلة سنوات طوال، لذلك فالتغيير يستوجب دفع الغالي و النفيس و لن يكون سهلا.
و لقد أرتنا الشعوب العربية في أنفسها خيراً بعد هذه الثورات، و لم يعد العربي ذلك الذي يقول سمعا و طاعة فقط لحكامه، بل أصبح مسلما شريفا لا يرضى لنفسه الذل ولا الهوان، و يقول لا لكل ظالم محتل متجبر .
تدفع الآن الشعوب العربية ثمن أنصاف ثوراتها السابقة، المعلنة وغيرها الصغيرة والكبيرة، تدفعها من إستقرارها و دمائها وأرواحها وفلذات الأكباد من شبابها و أموالها و أقتصادياتها.
تدفع الآن الشعوب العربية ثمن أنصاف ثوراتها ، تدفعها من " استمرار وانتشار مسلسل المراقبة و التجسس ، ثم الخطف و التعذيب و الاعتقالات والاختفاء القسري والتصفية الجسدية، والاغتيالات الممنهجة للثوار و النشطاء السياسيين الثائرين في وجه تلك الأنظمة القمعية المجرمة.
تدفع الآن الشعوب العربية ثمن أنصاف ثوراتها ، تدفعها من استمرار الأوضاع التي كانت من قبل ، بل و تفاقمها وتكريس واقعها من ( فقر و بطالة و مرض و غلاء و جهل و ذل وعبودية وفقدان للأمن و الأمان و ....).
مع الأسف يتم السيطرة على الثورات العربية ويتم تحويل مساراتها ، ثم اختطافها و سرقتها عن طريق مواءمات و مؤامرات و صفقات قذرة ، تمت بين تلك القوى الغربية والأنظمة العربية المحتلة لأوطان الشعوب المقهورة وتسلطت عليها، و ذلك لأجل أن تظل الأوضاع في هذه الدول مرتبطة بالصراعات بين الدول وسياساتها و توجهاتها، وبتبعية تامة مطلقة لتلك القوى الغربية و العربية المسيطرة صاحبة المصالح و النفوذ والأجندات والإديولوجيات المختلفة ، و في مقابل ذلك دعم تلك الأنظمة القمعية الخائنة المجرمة للبقاء في سدة الحكم أطول فترة ممكنة و تثبيت عروشهم ، و غض الطرف عن استعمالها لنفس أدوات الأنظمة السابقة فى إخضاع شعوب تلك الدول أو باستعمال أدوات جديدة أشد وأعنف وأسوأ ، سواء باستعمال القوانين و الدساتير الاستبدادية ، أو العنف و القمع العسكري والشرطية الأمنية والميليشياتية أو باستعمال الأداة الجديدة فى التضليل والتشويه بأسم الدين.
أين كنا نحن من كل هذا ، كنا بالميادين والساحات منشغلين فقط بأسقاط باقي رموز الأنظمة الساقطة ، فأستغلوا أخطاءنا و تشتتنا و جرونا لمعارك جانبية كثيرة في ميادين السياسة وجعلنا كالجيوش التقليدية بدل حرب العصابات، ولسنا كنظام الجيوش ولانملك العتاد والقوة كما تمتلكه هذه الجيوش ، و حولونا لقوة رد فعل بعد أن كنا قوة فعل ، و قدموا للشعوب تلك الأنظمة على أنها هى المخلصة لهم والتي سوف تحقق لهم الاستقرار المنشود " الاستقرار المفقود " و الذى لم يتحقق لتلك الشعوب حتى تلك اللحظة فلقد باعوا لنا الوهم .
قامت الشعوب العربية بالثورات و دفعت الثمن غاليا من دماء و شهداء و مفقودين و مصابين و معتقلين و ... ، و كل هذا من أجل رفعة أوطانهم واستقرارها استقرارا حقيقيا.
أخطأنا عندما ظننا أن تلك القوى المتضررة من الثورات العربية ستشاهدنا و نحن نغير أوطاننا للأفضل ستظل ساكنة و صامتة و مكتوفة الأيدي، و لا تتدخل و تخطط و تدبر بليل لتحافظ على مصالحها و نفوذها في تلك الدول الثائرة .
أخطأنا.. والآن ندفع ثمن هذه الأخطاء و ندفع ثمن قلة خبرتنا و سذاجتنا فى كثير من المواقف التى أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن .
أخطأنا… وندفع الآن ثمن تشتتنا وتشرذمنا و سندفع أثمان أكثر وأغلى أن ظللنا نسير بنفس أسلوبنا في التفكيرو التحليل وأن نظل نعمل في ردات الفعل وبأدوات تقليدية قديمة .
أخطأنا.. في عدم تثقيف أنفسنا وزيادة معرفتنا وعلمنا ، فلو كنا أمة اقرأ بحق ما كنا وقعنا فيما وقعنا فيه ، فنحن لا نقرأ في التاريخ فلا نتعلم ، فكثير من المتعلمين فينا غير مثقفين أكثر من جهلائنا ، لو كنا نقرأ كنا عرفنا حقيقة تلك الأنظمة القديمة والجديدة قبل صعودها والتي يروجون لها إلى سدة الحكم ، فكتاباتهم كانت تدل على أن ظاهرهم غير باطنهم و لكننا جميعاً تم خداعنا فيهم لأننا نأخذ بظواهر الأمور ولا نبحث عن بواطنها ونحللها ونقرأها القراءة الواعية فكان ما كان.
أخطأنا عندما ركزنا جهودنا واهتماماتنا لمحاربة الأنظمة الساقطة فقط، و تركنا " لصوص الثورات " في الداخل و الخارج تصول و تجول و تخطط و تدبر، إلى أن تحالفواعلينا وعقدوا صفقاتهم القذرة، وسيطروا على ثورتنا وأختطفوها و سرقوها منا، و سرقوا أحلامنا و أهداف ثوراتنا وحرفوا بوصلتها ، وسيصعدون إلى سدة الحكم على أكتافنا ويدهسونا بأحذيتهم الغليظة.
لابد أن نعلم أن القوى الغربية والعربية المسيطرة و صاحبة المصالح والنفوذ ، و الداعمة للأنظمة الجديدة والتي يعيدون إنتاجها فى دول الربيع العربي ، لا يهمها تحقيق أهداف تلك الثورات التى ضحت من أجلها شعوب تلك الدول كــ " العيش ، و الحرية ، و العدالة الاجتماعية ، و الكرامة الإنسانية " فكل هذا لا يعنيهم و لا يهمهم ، و لا يهمهم كيف ستحكم تلك الأنظمة الجديدة المنتجة هذه الدول، سواء كانت ستحكم بالقوة العسكرية و الشرطية المخابراتية أو بالقوة الدينية أو بكليهما.
فلا يهمهم إلا حماية مصالحهم و نفوذهم فى تلك الدول و أن تظل تلك الدول تابعة لهم سياسيا واقتصاديا و عسكريا وصدق من قال أن " أنصاف الثورات مقابر للشعوب عموماً و للثوار خصوصآ ".
فلنكمل ثوراتنا ونسعى إلى تحقيق الغاية التي من أجلها خرجنا وأن نحافظ على مكتسباتها وأن نموت على تحقيق أهدافها مهما كانت التضحيات.
ففي كل الأحوال سنضحي،وإن لم نضحي سيضحى بنا من قبل تلك الأنظمة التي تدعي أن الثورات أنتهت بوصولهم لسدة الحكم، أوبمقاسمة السلطة أو بقاء منظومة النظام ودولته العميقة التي تسيطر وتهيمن عليه وتديره.
فلنصحح أخطاءنا ونتعلم منها ومن تجارب الآخرين الذي قضوا نحبهم جميعا في ظل وقوفهم في منتصف الطريق، وأن نكمل مابدأنا العمل به وعليه برؤية وتخطيط وتصحيح.
صحيح أنهم يستطيعون الحصول على جثثنا ، لكن لن يستطيعوا أخضاعنا لمشاريعهم و سياساتهم الخبيثة التي لا تختلف عن سياسات من سبقوهم و سنظل نقاوم و إن فشل جيلنا ، فسيواجهون أجيال قادمة لن تخضع ولن تلين ولن تستكين، و ستتحقق أهداف ثورتنا ونضالنا بلا ريب بإذن المولى القدير.
حتى لا ننزلق من ثورة لم تكتمل، إلى مقبرة للأمل
وقد تضافر عاملان على إيصالنا إلى هذا الوضع، أولهما ركون القوى السياسية إلى سراب الحلول السهلة البعيدة المنال والتحقيق، التي ملخصها أن ننتظر من إئتلاف الخائفين الخانعين، ومن تحالف دول تدعي صداقتها للثورات وهي في الخفاء تنصب لها الفخاخ لوأدها،أن ننتظر منهم القيام بعملية إعادة السلطة إلى الشعب، وثانيهما طمأنينة زائدة عن الحد مشوبة ربما بحيرة دفعت بعض شباب الثورة إلى الانزواء عن ساحة الفعل والتأثير والركون إلى فتات الداعم وأحلام المعارض وأن يرضى بأنصاف حلول وبنصف ثورة .
ولا شك في أن الثورة لن تصل إلى بر الأمان ولن تحقق جملة أهدافها وغاياتها، إلاّ متى حزمت القوى الموالية للثورة "الحاضنة الشعبية" وقاعدة الثورة العميقة أمرها، وقدمت للشعب ولشباب الثورة أفقا عمليا واضح المعالم يعيد الحماس ويستنهض الهمم التي لم تفتر بعد.
الثورة مستمرة حتى تحقيق كل أهدافها إلى أن تصل إلى غايتها .
أيها الشعب لا تنم ولاتفتر، فنصف الثورة أخطر علينا ألف مرّة من لا ثورة لأنها ستكون انتحاراً محقّقاً نساق بعده إلى مقاصل الطغاة ومعتقلاتهم.
الثورة مستمرة مادام النظام مستمر
مكملين إن شاء الله تعالى

تعليقات
إرسال تعليق